ابن تيمية

145

مجموعة الرسائل والمسائل

الخبران ، فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث ولهذا قال " لقول رسول " ولم يقل ملك ولا نبي ، ولا ريب أن الرسول بلغه كما قال " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض على الناس في الموسم ويقول : " ألا رجل يحملني إلى قومه لا بلغ كلام ربي ، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " ولما أنزل الله " ألم غلبت الروم " خرج أبو بكر الصديق فقرأها على الناس فقالوا : هذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ فقال : ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله . وإن احتج بقوله " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " قيل له هذه الآية حجة عليك ، فإنه لما قال " ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث " علم أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث ، لأن النكرة إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره ، كما لو قال ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته ، وما آكل إلا طعاماً حلالاً ونحو ذلك ، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي ولكنه الذي أنزل جديداً ، فإن الله كان ينزل القرآن شيئاً بعد شيء ، فالمنزل أولاً هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخراً ، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب ، كما قال " كالعرجون القديم " وقال " تالله إنك لفي ضلالك القديم " وقال " وإذا لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم " وقال " أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون " وكذلك قوله " جعلناه قرآناً عربياً " لم يقل جعلناه فقط حتى يظن أنه بمعنى خلقناه ولكن قال " جعلناه قرآناً عربياً " أي صيرناه عربياً لأنه قد كان قادراً على أن ينزله عجمياً ، فلما أنزله عربياً كان قد جعله عربياً دون عجمي . وهذه المسألة في أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم ، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع والله أعلم .